"صداع مؤرق في راسي، أوجاع ومغص في معدتي، ضغط دموي مرتفع لا يستجيب للعلاج، دورة شهرية مضطربة... ماذا يحدث لي؟ "
لم تفلح الفحوص والتحاليل التي أجرتها هذه السيدة في كشف أسرار معاناتها .
ارتأيت أن أسلك معها طريقا آخرا، فسألتها:"هل أنت راضية عن حياتك؟ "
فإذا بأنهار من الدموع تنسكب على وجنتيها، وكأنها تنتظر هذا السؤال منذ مدة طويلة. خلاصة مشكلتها أنها كملايين النساء تتحمل مسؤوليات عدة،عمل داخل البيت وخارجه، تربية الأولاد ومتابعتهم دراسيا، إصرار على إنقاذ زواج في مهب الريح... هذه المسؤوليات تنتج عنها إكراهات نفسية وجسدية تستنزف طاقتها وتجعلها في حالة توتر دائمة.
"لكن ما العلاقة بين التوتر وبين ما أعاني منه؟"
''عندما يتعرض شخص ما لضغط قوي ومتواصل يبدأ جسمه في إفراز هرمونات التوتر: الكورتيزول والأدرنالين، كما أن الدماغ والجهاز العصبي يعملان بأقصى طاقتيهما،حالة الطوارئ المتواصلة هاته تتسبب في اختلال عمل الأجهزة الأخرى وتنتهي بإجهاد ذهني حاد."
"لكني لا أتحكم في الضغوط الخارجية ولا أحد يمكنه إنجاز مسؤولياتي عوضا عني"
"يمكنك معالجة الأمر على مستويين، المستوى الأول: تدبير الالتزامات اليومية دون أن تجهدي دماغك والمستوى الثاني: التسلح ب"مضادات التوتر".
لكن دعينا أولا نطلع على طريقة عمل الدماغ، فمن الناحية الوظيفية تنتظم خلايا الدماغ في ثلاث طبقات:
- الطبقة النشيطة: تتحكم في الأمور الآنية التي أنت بصدد إنجازها وهي لا تنجز إلا مهمة واحدة في المرة.
- الطبقة "ما قبل النشيطة": تعتبر بمثابة خزان للمهام التي يجب انجازها، فكل أمر تفكرين في القيام به يحتل مساحة في هذه الطبقة، وينصحك علماء النفس بعدم التفكير في أكثر من ثمانية مهام في المرة،هذا يعني أنه عليك ترتيب أولوياتك وأن لا تحملي ذهنك ما لا طاقة له به.
- طبقة اللاشعور: عند انتهائك من إنجاز أمر ما يمر إلى طبقة اللاشعور، أما الأمور العالقة أو المؤجلة فإنها تتراكم في الطبقة "ما قبل النشيطة" فتشوش الذهن وتحدث حالة احتقان تؤدي إلى اضطرابات نفسية يعد الأرق أبرزها.
كما يحثك علماء النفس على أن تثني على نفسك عند نهاية كل مهمة وأن تحترسي من التذمر قبل أثناء أو بعد الانجاز، لأن ذلك يولد لديك شعورا بالإحباط والكآبة.
"وماذا عن مضادات التوتر وأين يمكنني أن أقتنيها؟"
العلاج الأول: ألا بذكر الله تطمئن القلوب:
"توصلت دراسة طبية صينية أجريت على مجموعة من الطلبة، أن تخصيص عشرين دقيقة يوميا للتفكر والتدبر أكسب المشاركين قدرة أكبر على التحكم في الغضب والقلق وتدبيرا أحسن للأزمات والنزاعات، كما لوحظ ارتفاع في القدرات المناعية وانخفاض في هرمونات التوتر. فلا تدعي يومك وليلتك يمران دون أن تهدي لنفسك دقائق ثمينة تختلين فيها بخالقك،هذه الدقائق ستنظم حياتك وتمنحك الحكمة والقوة لمعالجة شؤونك.
العلاج الثاني: اعتبري أعمالك إنجازات قي الدنيا وفوزا في الآخرة، ولا تدعي
التوتر ينغص استقرارك ويشتت شمل أسرتك. ولعل الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بهذا الوباء هم الذين يلهثون وراء التفاصيل وتغيب عنهم الغايات.
فالله عز وجل خلق الإنسان في كبد ( لقد خلقنا الإنسان في كبد) سورة البلد أية 4،هذه المشقة هي جزء من حياة الإنسان، كلما قابلها بالرضى والصبر والتوكل وحسن التدبير هانت في وجهه وكلما قابلها بالسخط والتذمر وسوء التدبير تراكمت في وجهه وأصبحت سدا منيعا بينه وبين سعادته.